الشيخ محمد آصف المحسني

153

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

معلوم ومنكشف له تعالى من الأزل . وأما كيفية هذا العلم ونحو تعلّقه بالأشياء فهي خارجة عن طاقة البشر ؛ وذلك لأنّ الممكن محدود والواجب غير محدود ؛ وهيهات أن يحيط المحدود بمن هو خارج عن الحد والتناهي اتّفاقا وبرهانا ، كما سندلل عليه في المقصد الثالث إن شاء اللّه ، فالممكن لا يدرك حقيقة الواجب الوجود باتّفاق الفلاسفة والمتكلّمين « 1 » وبدلالة العقل وهداية الشرع ، والمفروض أن علمه عين ذاته فلا يمكن لنا الوصول إلى كيفية تعلّقه بالأشياء ، فالذي يمكن للعقل هو الإذعان بأنه تعالى عالم بالأشياء أزلا بطريق ذكرنا ، وأما أنه كيف علم الأشياء مع أنه لا وجود لها ؟ فهو أمر خارج عن وسعنا ؛ لأنا ما أوتينا من العلم إلّا قليلا ، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها . نعم كلّ دون صفاته تعبير اللغات ، وضلّ هنالك تصاريف الصفات ، وحار في ملكوته عميقات مذاهب التفكير ، وانقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير . ثم إنّ هذا الدليل لا يثبت لنا تعلّق علمه بالممكنات التي لا تقع إلى الأبد كما في قوله تعالى : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه « 2 » ؛ ولا بالملازمات الواقعية كما في قوله تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا « 3 » ؛ ولا بامتناع الممتنعات التي لم يعلم غيره . وأمّا ما علمه غيره فهو يعلمه ؛ لأنّه الخالق للصور المذكورة في مشعر غيره ، وليس عدم إثبات تعلّق علمه تعالى بهذه الموارد الثلاثة من قصور طريقنا وحده ، بل المسلكان المتقدّمان أيضا لا يثبتانه أيضا كما هو ظاهر ، بل ما اخترعوه من العلم التفصيلي حضوريا كان - كما عليه الإشراقيون - أو حصوليا - كما عليه المشاؤون - أيضا لا يشمل هذه الموارد ، فلا بدّ لأثبات ذلك من التماس قاعدة الملازمة ابتداء ، أو الاعتماد على دلالة الشرع وحدها . وهنا طريق آخر يمكن أن يفضي بنا إلى المطلوب ، وهو ما تقدّم من عدم اقتضاء الممكن للوجود والعدم ، واستواء ماهيّته بالنسبة إليهما وفقر وجوده ، فهو محتاج في عدمه إلى غيره كما يحتاج إليه في وجوده ، ومن هذا ينقدح أنّ اللّه المختار عالم بالأشياء الممكنة سواء وقعت في الخارج أم لم تقع ، فإنّه هو الذي اختار عدمها على وجودها ، ولم يرد طرف وجودها في أول ظروف إمكانها . وبالجملة : عدم الأشياء مستند إلى عدم إرادته تعالى لوجوداتها ، وإرادة إيجادها تابعة لعلمه بالمصلحة ، فيكون عدم إرادته من جهة علمه بعدم المصلحة ، فهو عالم بكل شيء أزلا .

--> ( 1 ) وما نسب إلى القوم الثاني أو جمع منهم - من إمكان معرفة ذاته - غير ثابت . ( 2 ) الأنعام 62 / 28 . ( 3 ) الأنبياء 21 / 22 .